ابراهيم بن عمر البقاعي

48

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أورد ما صارتا حقيقتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين الخوف والرجاء من ذلك وهو أعلم مما يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف ، فقال معلما بأن الملك وأوليائه أنصار له وَإِنْ تَظاهَرا بالتشديد للإدغام في قراءة الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في أمر مارية رضي اللّه عنها والعسل وما يأتي من مثل ذلك مما يبعث عليه الغيرة عَلَيْهِ أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المنبأ من قبل اللّه بما يرفع قدره ويعلي ذكره ، وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى سهولة أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما كان المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته ، فقال مؤكدا إعلاما بأن حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام : فَإِنَّ اللَّهَ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له هُوَ أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه التي لا يقوم لما لها من العظمة شيء مَوْلاهُ أي ناصره والمتولي من أمره ما يتولاه القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك فهو يعمل أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إظهار لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره . ولما كانت النفوس لمبنى هذه الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم نظر إليها ، وكان نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكثرة ما يتلى في بيوتهن من آيات اللّه والحكمة على لسان جبريل عليه الصلاة والسّلام وكثرة تردده إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من الأسباب الظاهرة المألوفة ، وكان هو أعظم أنصار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : وَجِبْرِيلُ لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها اللّه سبحانه . ولما كان الحامل على مظاهرته صلّى اللّه عليه وسلّم على كل ما يريده الإيمان فكل ما كان الإنسان فيه أمكن كان له أشد مظاهرة وأعون قال : وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أي الراسخين في رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن وأبواهما رضي اللّه عنهما أعظم مراد بهذا ، وقد روي أن عمر رضي اللّه عنه قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لو أمرتني لأضربن عنقها ، والصالح وإن كان لفظه مفردا فمعناه الجمع المستغرق لأنه للجنس ، ودل على ذلك مع دلالة السياق إضافته للجمع ولعله عبر بالإفراد مع أن هذا المراد للإشارة إلى قلة المتصف بهذا جدا لقلة الراسخين في الإيمان وقلة الراسخين في الصلاح من الراسخين في الإيمان فهو قليل من قليل وقد جوز بعضهم أن يكون جمعا وأنه حذفت واؤه في الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين ، فظن لذلك مفردا ودخل في ذلك جبريل عليه السّلام أيضا . ولما كان اللّه سبحانه وتعالى قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في الظواهر